أسس الديمقراطية وهوامشها

 

                                                                 عبد الغني بوستة السرايري

 

 

"والحالة هذه، فإن المطروح من طرف الطبقة الحاكمة وحلفائها داخل قيادات المعارضة البرلمانية بعيد كل البعد -ولحد الساعة- عن هذه الأسس المبدئية البسيطة، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل بين السلطات في حالتها الراهنة، وتزكية وتكريس الحالة اللاديمقراطية السائدة، وإيجاد توزيع أحسن للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية "اليافطة" المعروضة للسواح" كما قال الشهيد المهدي بنبركة

 

 

تشهد الساحة السياسية المغربية -كما جرت العادة على مقربة من المواعيد الانتخابية- تحريكا جديدا للمسألة الديمقراطية، ويتعلق الأمر هذه المرة بتعديل الدستور الحالي من أجل إيجاد "توازن أفضل بين السلطات"...

والجدير بالملاحظة أن هذا التحريك يأتي متزامنا وموازيا لتصاعد النضال الديمقراطي الأصيل الذي يخوضه شعبنا الكادح وقواه الحية من أجل فرض احترام حقوق الإنسان الكونية وتغيير الدستور تغييرا شاملا بما يوفر بناء صرح الديمقراطية الحقة.. ونخص بالذكر الخطوات والأعمال اليومية التي تقوم بها الجمعيات الحقوقية على أرضية الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، والنضالات المنسقة والمعممة التي تخوضها النقابات الوطنية بمختلف اتجاهاتها وفي كل القطاعات الإنتاجية، من أجل الدفاع عن مطالب وحقوق الشغيلة، في حين أن المطالبة بالتغيير الجذري للدستور ما فتئت تكتسب مزيدا من الشيوع والشعبية داخل الإطارات والمنظمات والجمعيات التقدمية، وفي الساحة الجماهيرية عموما.

والجدير بالذكر، أيضا أن قيادات الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال قد التجأت مرة أخرى  في غفلة عن قواعدها وعن الرأي العام، وفي ظروف تصاعد المد النضالي الديمقراطي، التجأت إلى المساومة المبتذلة مع الطبقة الحاكمة عبر "مذكرة سرية" تتضمن مجموعة من المتمنيات التي من شأنها -حسب أصحابها-  أن تحقق التوازن المنشود بين السلطات وترفع من مستوى صلاحيات البرلمان، وتعمل على التحسين من سيره الحالي.

إن هذا التكتيك السري على الجماهير، الذي يدور في الكواليس بين الطبقة الحاكمة وحلفائها، يستدعي من طرف كل الوطنيين والديمقراطيين النزهاء، التنديد الصريح والمعارضة الحازمة، لأن مضمونه لا يعدو أن يكون مساهمة ملموسة، من موقع "المعارضة" وباسمها في تنميق وتجميل الوجه البشع للديمقراطية المزيفة الراهنة، ولأن شكله يتعارض تماما مع أشكال وأساليب وأعراف العمل الديمقراطي التي تنبذ المناورات والكواليس وتفرض الوضوح والشفافية أمام المعنيين بالأمر، خاصة بالنسبة لمسألة تمس الحياة اليومية لكافة المواطنين، وتهم شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والثقافية ألا وهي مسألة الدستور.

وإن معارضتنا المبدئية الحازمة لنهج من هذا القبيل لا يساويها حزما ومبدئية سوى تشبثنا بالشروط والأسس الأولية التي بدونها لا يمكن الحديث عن الديمقراطية ولو في شكلها الأدنى وحدودها البورجوازية.

ويتعلق الأمر أولا بالأسس والقيم الفكرية للديمقراطية  التي تجعل من الاحترام الفعلي واليومي لحقوق الإنسان في كليتها وكونيتها، شرطا مبدئيا تختفي مع اختفائه أو تمس بجوهر أسس الديمقراطية نفسها.

ويبقى الإجراء الحد الأدنى في هذا المجال هو إصدار قانون العفو العام الذي يضمن إجرائيا وقانونيا الحرية لكافة المعتقلين السياسيين والنقابيين، وعودة المنفيين والكشف عن مصير المختفين وتسوية أوضاع المطرودين من عملهم بسبب نشاطهم النقابي أو السياسي تسوية فعلية.. وبدون إجراء من هذا القبيل والتمادي في الخرق السافر واليومي لحقوق الإنسان، والظلم والاعتداء على الوطنيين والديمقراطيين تحت مظلة قوانين استعمارية معادية للوطن والشعب.. بدون هذا، كيف يمكن الحديث عن الديمقراطية! ويتعلق الأمر ثانيا بالمبادئ والأسس السياسية التي تنبني عليها الديمقراطية -في حدودها الدنيا دائما- وعلى رأسها:

·    سيادة الشعب في إطار دولة القانون واحترام إرادته وحقه في اختيار ممثليه بدون تزوير ولا ضغط، ومراقبة عملهم في إطار الاختيارات التي تضمن السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقيق والحظوظ.

·    التعددية السياسية والثقافية وممارسة واحترام الحريات الفردية والجماعية.

·    الفصل الحقيقي للسلطات كمبدأ ديمقراطي لا رجعة فيه، وليس البحث عن توازن مزعوم بين سلطات تبقى كلها مركزة بين نفس الأيادي...

إن مجمل هذه المبادئ والقيم الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية -على علتها وباعتبارها حدا أدنى يتضمن عاهات ونواقص وشوائب لامجال لتفصيلها هنا- هي التي تؤسس لأي نظام ديمقراطي وخارج توفيرها واحترامها الفعلي يبقى الموضوع مطروحا فعلا في إطار "الهامش الديمقراطي" أي على هامش الديمقراطية وخارج نطاقها بتعبير أكثر وضوحا.

"والحالة هذه، فإن المطروح من طرف الطبقة الحاكمة وحلفائها داخل قيادات أحزاب "المعارضة  البرلمانية" بعيد كل البعد -ولحد الساعة- عن هذه الأسس المبدئية البسيطة، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل بين السلطات في حالتها الراهنة وتزكية وتكريس الحالة اللاديموقراطية السائدة وإيجاد توزيع أحسن للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية "اليافطة" المعروضة للسواح" كما قال الشهيد المهدي بنبركة. 

فالخيار المطروح إذن يوجد ما بين العمل الجاد لإرساء أسس الديمقراطية -وضمنه التغيير الشامل للدستور بما يستجيب لذلك- من جهة ، وبين التيه في الطريق المسدود لهوامشها من جهة ثانية، وبالتالي فلا مناص لكل الوطنيين والديمقراطيين المخلصين من مواصلة نضالهم الديمقراطي اليومي المتعدد الأشكال والواجهات، مسترشدين بدروس تاريخ الإنسانية الذي يعلمنا أن الحقوق والحريات لا تمنح، بل تكتسب وتنتزع بالنضال العادل الثابت، مثلها مثل الدساتير التي تضمن فعلا سيادة الشعب، وتجعل منه فعلا "مصدر كل السلطات".

لقد تمكنت الحركة الجماهيرية المغربية، مدعمة بقواها السياسية التقدمية الفعلية ومنظماتها النقابية وجمعياتها الثقافية والتربوية، وبفعل نضالها الديمقراطي المستميت الذي أصبح يشمل كل مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية وكل الفئات الشعبية، من عمال وفلاحين ومستخدمين وعاطلين وطلبة وتلاميذ.. تمكنت هذه الحركة الجماهيرية من فرض نفسها كحضور وواقع لا محيد عنه، وهي سائرة بروح إيجابية  مسؤولة على طريق لم شملها وتوحيد صفوفها وتدقيق وتجدر مطالبها الديمقراطية المتصلة بشكل مباشر بقضايا الحياة اليومية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا .. وهذه كلها مكاسب تدعو فعلا للاعتزاز والمفخرة وتؤهل النضال الديمقراطي في بلادنا لقطع أشواط هامة في المدى القريب والمتوسط، شريطة أن تتجه كل القوى الحية نحو مزيد من العمل الوحدوي الجبهوي على قاعدة برنامج ديمقراطي حد أدني، يوقف المسألة الديمقراطية على رجليها ويشكل السد المنيع أمام محاولات الإجهاض والتهميش وتكتيكات الأقلية المستغلة وحلفائها داخل قيادات "المعارضة البرلمانية" ومن لف لفهم بشكل واعي أو غير واعي ...

وهل معنى هذا هو الاتجاه للانتظارية أو سلوك نهج العدمية السياسية والاكتفاء بتبني حركة النضال الجماهيري الديمقراطي، مع التغاضي على اتخاذ مواقف واضحة من القضايا السياسية المطروحة آنيا، والاكتفاء بتقديم ما هو موجود بشكل سلبي وبدون طرح البديل السياسي؟

         إن الصحيح والسليم هو العكس تماما، إذ أن الموقف السياسي التقدمي الواضح ما هو إلا عنصر مكمل ودافع ومؤطر لحركة النضال الديمقراطي اليومي على أرض الواقع، كما أن هذا النضال بنتائجه ودروسه ومكتسباته هو الكفيل بإنضاج الموقف السياسي الصحيح وإعطائه مضمونه ومصداقيته، ذلك أن النضال الديمقراطي الأصيل كان وسيظل عبارة عن حلقات متواصلة تشمل كل القضايا والمرافق، سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية وثقافية، بدءا بأبسط القضايا التي تهم حاضر ومستقبل الوطن والشعب. وهذا الترابط الجدلي وتلك التوصيلات الأفقية والعمودية بين مختلف هذه الحلقات تحت تأثير نفس المنهج العام ومن أجل نفس الأهداف الأساسية، هي التي تعطي للنضال الديمقراطي مفهومه الشامل المنسق والمتكامل.

         ومن تم، يمكن فعلا أن يفهم من كلامنا أننا عديمي الموقف من المسألة التي تشغل الساحة السياسية حاليا، مسألة تعديل الدستور، أو أننا نمانع في التعديل.  على العكس من هذا، لا نرى أي تناقض في تمتين وتعزيز وتعميق النضال الديمقراطي اليومي في كافة الواجهات من جهة والمطالبة السياسية بتغيير الدستور تغييرا شاملا في اتجاه إرساء الأسس الفكرية والسياسية والتنظيمية للديمقراطية كما أسلفنا.. وهذا هو الذي يميز بيننا وبين المرتدين المنتفعين دعاة "تحسين التوازن" داخل اللعبة الديمقراطية المشوهة.

         وإذا كان تغيير الدستور تغييرا شاملا بمثابة الهدف المرحلي الذي يجب أن يستقطب طموحات وطاقات كل القوى الديمقراطية التقدمية الحقة، فهناك مطالب مستعجلة وشروط مسبقة يشكل تجاوزها والدخول بدونها حلبة الحوارات والتعديلات السطحية للانتخابات..، ويشكل هذا طعنا صريحا في الديمقراطية وعملا خارج نطاقها ومساهمة واعية في تزويرها. وهذه الشروط التي من المفروض أن تنال إجماع كافة الوطنيين والتقدميين، نوجزها في ثلاث نقاط لا أكثر:

 

1-   إصدار قانون العفو العام بالمعني الحقوقي الشامل الذي ذكرنا.

2-   إلغاء القوانين الموروثة من عهد الاستعمار والتي تناقض حقوق الإنسان.

3-   احترام الحريات الفردية والجماعية وبخاصة حرية التعبير والتنظيم والرأي، وضمان التطبيق الفعلي لمواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان الموقعة رسميا من طرف المغرب.

إن هذه الشروط والمطالب الأدنى تشكل في الحقيقة قاسما مشتركا في برامج كافة المنظمات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية بصفة عامة، لكن المطروح هو التشبث الصادق بها، قولا وفعلا، وعدم تجاوزها تحت أي اعتبار أو تبرير، وبالتالي فإن النضال المستميت من أجلها أو التخلي عنها هو الذي سيشكل محك الفرز السياسي في بلادنا في المرحلة المقبلة، والخط الفاصل بين القوى التقدمية الحقيقية -التي لازال بعضها لم يعبر بعد عن نفسه بشكل واضح متكامل- من جهة، والقوى الرجعية المغامرة التي تتهيأ مرة أخرى للتخلي عن شعاراتها المعلنة لاقتسام غنائم الانتخابات والديمقراطية المزيفة من جهة أخرى.

إن موازين القوى الراهنة، والظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بها والنضالات اليومية التي يخوضها  شعبنا الكادح في كافة الواجهات والتقدم الباهر الذي يشهده الوعي بحقوق الإنسان، والخطوات الهائلة التي قطعتها حركة النضال الديمقراطي الجماهيرية في اتجاه مزيد من الهيكلة والتنظيم والفعل النضالي، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، إن كل هذا يحملنا على التفاؤل الواقعي على أن النضال الديمقراطي الدؤوب الصبور سيتمكن فعلا من تحقيق المطالب الأدنى التي ذكرنا، إن آجلا أو عاجلا، وفتح الطريق نحو إرساء دولة القانون والديمقراطية  الحقة ببلادنا.

عبد الغني بوستة السرايري

صحيفة الطريق 11/ 04/ 1992