الديمقراطية

 بين القيم الإنسانية الكونية والتشوهات الانتفاعية الضيقة

 

 

عبد الغني بوستة  السرايري- اكتوبر1992

 

تعرض مصطلح الديمقراطية ،ولا يزال، وكذلك المفاهيم والأفكار والقيم المرتبطة به للعديد من التفسيرات والتأويلات والتطبيقات ، وصدرت  بشأنه كميات لا تحصى من المقالات والكتب والدراسات ... ولا غرابة ، إذ أن مسألة الديمقراطية ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالكثير من القضايا والقيم مثل الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية ، كما أنها ترتبط مسألة المؤسسات وطبيعة الدولة والحكم والنظام السياسي ، و ينعكس حتما وجودها (أو عدمه) على الحياة اليومية لجميع المواطنين بدون استثناء .

 

والملاحظ أيضا أن جميع الأنظمة عبر العالم بدءا ب "إسرائيل" وجنوب إفريقيا وصولا إلى أنظمة الرأسمال الغربية، ومرورا بالأنظمة العربة والإفريقية والأمريكية اللاتينية، كلها تتبنى الديمقراطية وتدعي تطبيقها إن بهذا اللون أو ذاك، أو هذا النموذج أو الآخر الذي تفرضه خصوصيات محلية قاهرة ... وحتى الأنظمة الأكثر أصالة في الديكتاتورية والأوتوقراطية ، فإنها لم تعد تجرؤ في وقتنا الحاضر الإفصاح عن طبيعتها تلك ، بل تلجأ باستمرار إلى التستر وراء  يافطة الديمقراطية .. أما الأحزاب والحركات والمنظمات التحررية والاشتراكية من جهتها ، إصلاحية كانت أم ثورية ، فلقد سجلت تاريخيا الديمقراطية ضمن أهدافها الأساسية وهي لا تزال حاضرة في جميع برامجها .

 

ومن ثم حجم المصالح وطبيعتها المتناقضة بشكل تناحري أحيانا ، التي ترتبط  كلها بنفس المصطلح "الديمقراطية" وتعمل على تفسيره وتأويله وتعليبه بشتى الأشكال والنماذج .. فكيف يمكن والحالة هذه ، تحديد معنى هذا المصطلح وتدقيق مفهومه ومضمونه ؟ وكيف نتعامل مع دينامية  هذا المفهوم ضمن اختيار تحرري اشتراكي واقعي ومنسجم نظريا وعمليا ؟

إننا لا ننوي من خلال  هذا العرض السريع التأليف لمسألة الديمقراطية خاصة أمام غزارة ما قيل وكتب عنها ، بل سنقتصر من موقعنا الملتزم (مع أكثر ما يمكن من الموضوعية  انطلاقا من هذا الموقع ..) على تسليط الأضواء حول التطور التاريخي للقيم والمفاهيم الإنسانية الحضارية التي اكتسبت طابعا كونيا لتؤسس مضمون الديمقراطية وتغذيه في دينامية مستمرة، وهذا ما سيبعدنا بطبيعة الحال، عن الانحرافات والتشويهات التي تتستر وراء الخصوصيات المحلية لطعن الديمقراطية باسمها، والتي لن نتعرض لها سوى لننتقدها ونفندها .

 

"ديموس قراتوس" .. والدينامية التاريخية

 

تنطلق العديد من الدراسات والكتابات في تفسير مصطلح الديمقراطية من الأصل اليوناني للكلمة الذي يعني حكم الشعب بنفسه، (ديموس قراتوس)  وبالاستناد للنظام السياسي الذي عاشته اثنا في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد .. ومن المعلوم ان هذا النظام قد تأسس إيديولوجيا على قاعدة الفلسفة اليونانية، كبنية فوقية لتطور تاريخي  محدد، وترجم بشكل خاص أفكار أفلاطون (المدينة الفاضلة) فكرس مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون كما كرس مفهوم الديمقراطية  المباشرة، بحيث تلتقي جميع المواطنين في ساحة المدينة  (أجورا) لمناقشة قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبث فيها بشكل جماعي .

 

لكن هل يمكن اختزال مفهوم الديمقراطية في هذا التفسير اللغوي (ديموس قراتوس) وفي النموذج اليوناني العتيق؟ قطعا لا ! بالرغم مما شكله هذا النموذج من تقدم باهر في وقته وما افرزه من أفكار وقيم حضارية وإنسانية. والسبب في ذلك هو أن هذا النظام اشتمل على عاهات وثغرات أساسية، لأنه منح حق المواطنة  فقط للنبلاء والتجار والملاكين الكبار، وحرم منه غيرهم، وخاصة العبيد الذين ظلوا على وضعيتهم واستمر النظام العبودي والاستغلالي بصفة عامة إلى جانب النظام الديمقراطي بأفكاره الفلسفية والطوباوية  وممارسته الاجتماعية  العالية الخاصة بالنخبة وفئة الأقلية. أما السبب الثاني الذي يبعدنا عن اختزال مفهوم الديمقراطية بشكل جامد في النموذج اليوناني ، فهو إن هذا النوع من الديمقراطية المباشرة لم يقتصر تاريخيا على اليونان لوحدها ، بل لقد وجد مضمونه بأشكال وتطبيقات مغايرة  في فترات زمنية  أخرى وفي مختلف بقاع الكون . ويكفي أن نتمعن شيئا في تراثنا العربي الإسلامي لنجد نماذج منها غاية في الأهمية ، نذكر منها على الخصوص التجربة الرائدة لدولة القرامطة  ، ونظام "الجماعة" في بلادنا المغربية تحديدا ، والذي كان ينظم  الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية للقبيلة على نمط الديمقراطية المباشرة ، بصيغ متطورة حيث الملكية الجماعية لكل وسائل الإنتاج ، والمساواة بين جميع أفراد القبيلة. ..

 

وبالتالي، فإن مفهوم  الديمقراطية بمعنى الحكم المتداول بين الناس للتقرير بشكل جماعي في كل الأمور التي تهمهم، مفهوم موجود منذ القدم في تعارض وتضاد مع حكم الفرد والأوتوقراطية وما تفرع عنها من أنظمة عبودية وإقطاعية .

 

وكما هو  معلوم، فان  مختلف الأنظمة السياسية سواء منها أنظمة  الحكم المطلق والديكتاتورية أو الأنظمة  الديمقراطية في شكلها البدائي والمتطور فلسفيا وتطبيقيا، ما هي كلها إلا انعكاسات جدلية وبنيات فوقية لمجتمعات معينة في مرحلة تاريخية من تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي فإن طبيعة  هذه الأنظمة وأشكالها ومضامينها تطورت تاريخيا ولا تزال، مع التطور الموضوعي للمجتمعات وما يفرزه من تحولات في وسائل وعلاقات الإنتاج ، ومن أشكال وصيغ في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وما يترتب عنه من علاقات بين الناس في كافة  المستويات ... لقد أدى التطور التاريخي للإنسانية  في العصور الأخيرة، ومن هذا المنظور الشامل إلى إفراز استقطاب ما بين ثلاثة أصناف أساسية من المفاهيم التي تحدد طبيعة الأنظمة السياسية ، تطبق عليها أوصاف تقريبية عامة وهي : الديكتاتورية أو الحكم المطلق أو الأوتوقراطية من جهة ، والديمقراطية البورجوازية من جهة ثانية ، والديمقراطية الاشتراكية من جهة ثالثة. وحتى نظل في إطار موضوع مساهمتنا، سنضع الصنف الأول جانبا لنهتم بتحديد مفاهيم الديمقراطية بمختلف أشكالها وضمن سياق تطورها التاريخي.

 

وإذا أشرنا للإرهاصات الأولى للنظام الديمقراطي في شكل مشاعية بدائية وضمنها النموذج اليوناني المتطور الذي أعطى الأصل اللغوي للكلمة ، وبعد التأكيد أيضا على الترابط الجدلي ما بين طبيعة النظام السياسي والتطور التاريخي  الموضوعي لمجتمع، نخلص إلى أن الديمقراطية ليست مفهوما نهائيا جامدا ، بل مفهوما ديناميا  تراكميا ، يخضع باستمرار للتطور والدينامية التاريخية ، وبالتالي فلا يجوز تناوله وتحديده بدون استحضار الخلفية التاريخية التي تحكمت فيه ، ومختلف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي أطرته وأثرت فيه.

 

I- الديمقراطية البورجوازية


من هذا المنطلق ، نستحضر التطورات التي عرفتها أوروبا القرن الثامن عشر، مع نشوء النظم الرأسمالي الذي  انبنى أساسا على التجارة والترويج والواسع للسلع مع بروز المصانع والمعامل الأولى  المنظمة  على نمط "رأسمال – عمل " وظهور الحاجة الماسة إلى حرية الحركة والمبادرة الاقتصادية ... ومع هذا دخل الفكر والنظام الإقطاعي كما هو معروف في تناقض شديد مع نمط الإنتاج الجديد . وترافقت هذه القفزة النوعية على مستوى البنية التحتية ، بحركة ثقافية وفكرية توازيها وتتجاوب معنا  في المستوى الفكري والإيديولوجي ، وبلغت هذه الحركة الفكرية درجة من التقدم والنبوغ ما جعل هذه الفترة التاريخية يصطلح عليها "بقرن الأنوار" ، حيث طهر عدد من المفكرين والكتاب والباحثين الذين انكبوا بشكل مكثف على دراسة أنجع السبل لتأسيس نظام ديمقراطي يتجاوز النظام إقطاعي ويتجاوب مع متطلبات العصر آنذاك . وكان من الطبيعي أن يستلهم هؤلاء ، كلهم أفكارهم واجتهاداتهم من رصيد الحضارة الإنسانية جمعاء ، ومن ضمنها عطاءات الحضارة اليونانية وعلى سبيل المثال نذكر من بينهم روسو الذي اعتمد النموذج اليوناني لطرح شكل من الديمقراطية في كتابه لوصف  دقيق للنظام الجمهوري الديمقراطي الذي يقترحه  مؤكدا على ا ن هذا النظام لا يمكنه أن يتعايش بثاثا مع النظام الإقطاعي .

 

        وكتتويج لمجمل هذه التطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثورية ( قياسا بالمرحلة) جاءت الثورات البورجوازية  لتعصف بالنظام الإقطاعي (الثورة الفرنسية لعام 1789  والثورة البريطانية ...) وتضع أسس النظام الديمقراطي البورجوازي كبنية فوقية للنظام الرأسمالي الجديد.

 

        والجدير بالذكر أن هذه الأسس لازالت قائمة إلى يومنا هذا ، ولازال جوهرها يشكل  قاعدة الأنظمة الرأسمالية الغربية ، رغم ما طرأ عليها من تطورات وتغييرات كمية . وهذه الأسس هي: 

       

أولا : على المستوى الإيديولوجي والفكري :

 

  اعتماد حقوق الإنسان ( التي أعلنتها الثورة البورجوازية البريطانية قبل أن تقننها الثورة الفرنسية  في شكل ميثاق رسمي) كقاعدة وأساس إيديولوجي تتفرع منه كافة الحقوق والواجبات. هكذا سطر ميثاق - حقوق الإنسان- الذي التزمت وتلتزم به الأنظمة الديمقراطية البورجوازية –مبدأ الحرية ، حرية الفرد داخل المجتمع  وإلغاء كل القيود العبودية والإقطاعية البائدة ومبدأ المساواة بين المواطنين كيفما كانت أصولهم العرقية أو الفئوية ، ومبدأ احترام وحفظ الملكية الخاصة ، كمسألة مقدسة لا يجوز المساس بها ، ومبدأ التآخي بين الناس والعدول عن الاستبداد والإكراه في العلاقات الاجتماعية ..كما تم  التنصيص على حقوق المواطنة للجميع على عكس النظام الإقطاعي البائد الذي كان يفرق بين الأسياد من جهة والعبيد والاقنان من جهة ثانية، وأصبح القانون ينص على أن كل الناس مواطنون متساوون على كافة المستويات ، في إطار شعب واحد بلا طبقات، وبرز أيضا مفهوم سيادة الدولة  والقانون بمعنى أن القانون فوق الجميع ، يحكم بعدل وإنصاف وفق ميثاق حقوق الإنسان الذي يعلو ولا يعلى عليه..

 

ثانيا : على المستوى الاقتصادي :

 

 كانت هناك حاجة موضوعية ماسة لحرية المبادرة التجارية والصناعية وحرية التنقل وترويج  السلع بشكل واسع بمعنى إباحة التنافس الحر بين المواطنين  لكسب الربح حسب طاقتهم وإمكاناتهم (الشئ الذي اصطلح عليه فيما بعد بالليبرالية ..) وفي نفس الوقت الاعتراف بحقوق اقتصادية للجميع، الرابحون منهم والخاسرون في عملية التنافس هذه، شريطة أن يتم تحصيل تلك الحقوق والمكاسب الاقتصادية بشكل تدريجي، وقتما يتم ازدهار الاقتصاد والمجتمع ككل، وعندها سيقبل البورجوازيون والمواطنون الأكثر رفاها على اقتسام أرباحهم وذر رفاهيتهم على بقية المواطنين في شكل واجبات اقتصادية ضمنية تلقائية وإن كانت تلك الواجبات غير مسجلة رسميا ضمن ميثاق حقوق الإنسان .

 

ثالثا : على المستوى السياسي:

 

  ويتعلق الأمر بتقنين الأوضاع الاقتصادية وخدمتها سياسيا، وترجمة القيم الإيديولوجية إلى حيز التطبيق السياسي في نفس الوقت ، ولأجل ذلك تم الاعتماد بالدرجة الأولى على التمثيلية والتفويض عن طريق الانتخابات ، للسماح لجميع المواطنين –المتساوين أمام القانون- بالتعبير عن أرائهم وممارسة حقوقهم السياسية عبر ممثليهم المنتخبين بشكل حر ونزيه. ومن ثم مفهوم التعددية  السياسية لتمكين المواطنين من الاختيار بشكل حر بين اتجاهات ومواقف وبرامج متعددة ومتنوعة، ومن ثمة كذلك مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية منها والتنفيذية والقضائية، لقطع الطريق أمام الاحتكار السياسي واستغلال النفوذ والشطط  في استعمال السلطة، المفروض أن تكون موكولة بشكل طوعي  وبإرادة  جماعية لدولة القانون التي توجد فوق الجميع .

 

         وباختصار شديد ، فإن نظام الديمقراطية البورجوازية شكل تطورا  تاريخيا إيجابيا في تاريخ الإنسانية، وأحدث القطيعة مع أنظمة العبودية والإقطاع، وأجاب في نفس الوقت على الحاجيات الماسة للظرف التاريخي وخاصة حاجيات النظام الرأسمالي والبورجوازية الناشئة  التي كانت لها مصلحة حيوية في كسر أغلال وقيود النظام  الإقطاعي التي تشل حركتها وتضيق على تطورها ، واستبداله بنظام الديمقراطية البورجوازية الذي يتناسب أكثر ومصالحها الحيوية. وغنى عن القول إن الفلاحين الفقراء والجماهير الشعبية  بصفة عامة كانت لها أيضا مصلحة مباشرة في التخلص من النظام الإقطاعي ، إذ هي التي لعبت الدور الحاسم في كل الثورات التي حققت هذا التحول ...

 

وإذا كانت مجمل هذه التحولات والثورات التي قامت بتا الجماهير جنبا إلى جنب مع البورجوازية الناشئة لتحقيق طوحاتها في "الحرية والمساواة والإخوة " في إطار دولة الحق والقانون الساهرة على تحقيق الازدهار والرفاه للجميع ، وإذا  كان كل هذا قد طبع بشكل أساسي النصف الآخر من القرن الثامن عشر، فإن الثورة الصناعية من جهتها، قد شكلت علامة بارزة في القرن التاسع عشر مرفوقة بزخم هائل من التحولات والتطورات التقنية والاقتصادية  والصناعية ، وانعكاساتها الحتمية المباشرة على الصعيد الاجتماعي. ومن ضمن  هذه الانعكاسات  التدهور السريع في أوضاع العمال والفئات المهمة بموازاة احتكار وسائل الإنتاج والربح من طرف البورجوازية ، فظهرت الهوة السحيقة ما بين الأفكار والمبادئ الديمقراطية من جهة ، والواقع الفعلي الذي كرس الفوارق الطبقية الشاسعة ما بين أصحاب الملكية الرأسمالية ، والشغيلة والمهمشين ، من جهة ثانية .

  

        وبالرغم من أن الثورات السالفة الذكر كانت ذا طابع شعبي حقيقي ، إذ قامت بها الجماهير الأكثر فقرا وحرمانا وقدمت من اجل مبادئها الإنسانية النبيلة ما لا يحصى من التضحيات ، فلقد تمكنت البورجوازية تاريخيا من تحويل الثورة لصالحها واحتكار ثمارها ، بعدما تحولت هي نفسها من طبقة ثورية تناهض النظام الإقطاعي وتسعى إلى تغييره جذريا، إلى طبقة رجعية محافظة ..

 

        وإن الوعي بهذا الواقع المرير والتأثر المباشر به، هو الذي شكل الدافع الموضوعي لقيام الثورة العمالية في بريطانيا (1848) وكمونة باريس (1871) كمحاولة لاستدراك الأوضاع ، ونزع الحكم من أيدي البورجوازية التي احتكرته تعسفا وخروجا عن مبادئ الثورة الأصلية . ومعلوم أن مختلف هذه الثورات العمالية أجهضت بقوة الحديد والنار  من طرف البورجوازية ، وأغرقت في أنهار من الدماء والدموع ...

 

وخلاصة القول، أن نهاية القرن التاسع عشر سجلت المحدودية التاريخية لنظام الديمقراطية البورجوازية، وعجزه المطلق على تحقيق أهدافه المعلنة ، وذلك بموازاة نشأة وتطور الطبقة العاملة  ومعها نشأة الفكر الاشتراكي الذي اعتمد نقد النظام الرأسمالي وتبيان تناقضاته الهيكلية المزمنة، من اجل تقديم بديل له يناسب ويستجيب بشكل متقدم لطموحات الديمقراطية الاشتراكية  كبديل عن الديمقراطية البورجوازية الفاشلة . 

 

I I- الديمقراطية الاشتراكية :

 

      إن الديمقراطية الاشتراكية  "كنقيض وبديل للديمقراطية البورجوازية" لم تولد من عدم، ولم تأت هكذا كتصورات فكرية جاهزة لا علاقة لها بما سبق وبالواقع السائد (أقول هذا لأنها غالبا ما تقدم بشكل عدمي وكأنها لم تكن لها علاقة مباشرة بالديمقراطية البورجوازية) بل أنها اعتمدت بكل بساطة النقد الممنهج لتناقضات وثغرات الديمقراطية البورجوازية الكامنة في أسسها الإيديولوجية والاقتصادية والسياسية التي ذكرنا فشكلت بذلك امتدادا وتجاوزا لها في آن واحد .

 

        فعلى الصعيد الاقتصادي، اتضح بجلاء أن المساواة المنشودة لايمكنها موضوعيا أن تتحقق ما بين العناصر التي تملك وسائل الإنتاج والاستثمار وتحتكر الجزء الأساسي من فائض  القيمة وتوظفه لمزيد من الربح والإثراء من جهة، والعمال الإجراء وبقية الفئات التي لا تملك شيئا سوى قوة عملها والتي زاده أوضاعها تدهورا وفقرا وبؤسا وشقاء ، خاصة مع ظروف عملها القاسية التي رافقت نشأة النظام الرأسمالي آنذاك، من جهة ثانية، هذا إضافة للفوارق الأخرى الناتجة عن النسب والانتماء العائلي والفئوي وما يترتب عنه من عدم المساواة في الحظوظ والإمكانات المادية والمعنوية، وهذا كله يجعل من مبادئ المواطنة والمساواة ومفهوم "الشعب بلا طبقات"، عبارة عن أفكار مجردة يعاكسها ويكذبها الواقع المعاش.

 

وانطلاقا من هذه  الملاحظات وهذا النقد الواقعي العلمي جاء البديل الديمقراطي الاشتراكي ليعالج الداء من أساسه، على المستوى الاقتصادي، ليطرح الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، يملكها ويتصرف فيها المنتجون نفسهم، كبديل عن الملكية الخاصة التي تكرس استغلال  الإنسان للإنسان. كما تدعو الديمقراطية الاشتراكية إلى التسيير الذاتي في كافة الميادين الفلاحية والتجارية والصناعية ، لتمكين المنتجين من تسيير أنفسهم بأنفسهم ، بعيدا عن الفوضى والعدمية بطبعة الحال ووفق قوانين الدولة المسيطرة بشكل جماعي .

 

        أما مبدأ المساواة بين المواطنين فلن يتحقق فعلا إلا من خلال توفير واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أولا وقبل كل شيء ومنها حق الشغل والتعليم والصحة، إضافة إلى الحقوق الثقافية والسياسية، وبالتالي تحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة كحقوق ثابتة وواجبات مسطرة في آن واحد .

 

        أما على المستوى السياسي فان نظام الديمقراطية البورجوازية يشتمل أيضا على تناقضات تجعل المبادئ والتصورات بعيدة عن الواقع الملموس. فمبدأ الفصل بن السلطات، وإن كان يشكل تقدما هاما بالنسبة للأوتوقراطية والحكم المطلق، فانه يظل فصلا شكليا ما دامت الطبقة الحاكمة هي نفسها السائدة اقتصاديا ، والمتحكمة في نهاية المطاف لوحدها في دواليب الحكم وسلطة القرار بمختل  أوجهها الاقتصادية منا والسياسية .. ولم يسبق تاريخيا في ظل الأنظمة الرأسمالية أن تولت الطبقة العاملة السلطة هكذا تلقائيا وفق مبدأ المساواة وعن طريق كسب الأغلبية عبر الانتخابات الحرة والنزيهة... وإذا ما لاح ذلك في الأفق ، فإن البورجوازية لا تتردد في استعمال الأساليب الأكثر عنفا وهمجية، كما حدث في الشيلي مثلا – لاسترجاع الحكم والسلطة واحتكارهما من جديد تعسفا وإكراها .  أما بالنسبة لتمثيلية  كافة المواطنين عبر الانتداب والانتخابات، فالملاحظ أن هذا النوع من التفويض، بمجرد أن يتم، يحرم الناخب من أية إمكانية في المراقبة الفعلية، ويبقى هامش المناورة وحرية التصرف مفتوحا أمام المنتخب إلى غاية الجولة المقبلة من الانتخابات حيث تتاح الفرصة للناخبين لسحب أو تجديد ثقتهم، وبين الجولة والأخرى يظل المنتخب منتخبا وان ارتد عن برنامجه وتنكر لكل وعوده ، في غياب سلطة المراقبة لدى المواطنين .

 

        وفيما يخص مبدأ التعددية السياسية ، وبالرغم من الحقوق التي يوفرها للمواطنين لتشكيل الأحزاب والنقابات ومختلف المنظمات والجمعيات كما يشاؤون، فإن هذه التعددية رغم جوانبها الكمية تبقى محدودة ومقلصة نوعيا. إذ لايسمح بها إلا في حدود عدم المساس بطبيعة الدولة والنظام الرأسمالي (وإلا لجأت البورجوازية للعنف من أجل استرجاع الحكم كما أسلفنا). هذا من جهة ، أما من جهة ثانية ، فإن الفوارق الطبقية والبون الشاسع في الإمكانيات المادية والمعنوية يجعل التعددية النافذة على السلطة والحكم محصورة عمليا على أحزاب ومنظمات الرأسماليين. فإذا ما أخذنا على سبيل المثال، الولايات المتحدة التي تعتبر البلد النموذجي في الديمقراطية البورجوازية، نجد أن حزبين فقط الجمهوري والديمقراطي، هما اللذان يتناوبان باستمرار على السلطة دون سواهما، وإن اختلفت تسميتهما، فإن المرء يحتاج إلى اجتهاد وعناء كير لاكتشاف بعض الفوارق الطفيفة في برامجها وأهدافها الحقيقية ...

 

        أما بالنسبة لدولة القانون المحايدة التي تمارس التحكيم العادل بين الجميع ، فلقد اتضح أولا أنها أداة مسخرة إلى حد بعيد لخدمة مصالح الطبقة البورجوازية التي تتحكم يها و "تملكها" بشكل من الأشكال ، وإن القوانين كيفما كانت عدالتها تبقى في جميع الحالات من صنع البورجوازية، ولا يمكنها أن تخرج من دائرة مصالحها الحيوية.

 

        انطلاقا من تشريح مختلف هذه التناقضات، جاءت الأسس السياسية للديمقراطية الاشتراكية مبنية أولا وقبل كل شيء على مبدأ تمكين الشعب من السلطة فهي منه وإليه،

وعلاوة على تكريس مبدأ سيادة الشعب على السلطة، وجب ترجمة هذا المبدأ من خلال مؤسسات شعبية تشمل كل شرايين المجتمع من القاعدة إلى القمة، من المجالس المحلية في المؤسسات الإنتاجية ، إلى قمة الدولة كما أن الانتداب والانتخاب يجب أن يكون مرفوقا باستمرار بالمراقبة اليومية ، بحيث يمكن نزع الثقة وتصحيح مسار المنتخب في أية لحظة ، وإخضاعه لمراقبة وسلطة الناخبين. وهذا هو الكفيل بتحقيق المساواة الفعلية في الحقوق السياسية وتوفير التعددية الحقيقية والسماح للمواطنين بالتعبير عن أنفسهم بشكل كامل وبلورة طاقاتهم الخلاقة في كافة المستويات، والتحكم في مصيرهم بأنفسهم.

 

        وهذا ليس معناه السقوط في الفوضوية واللامسؤولية والتصورات والممارسات الطوباوية الهدامة ، بل إن الديمقراطية الاشتراكية تعطي للقانون دوره التحكيمي العادل والضروري وتنزله المكانة اللائقة به بدءا بالدستور المسطر من طرف نواب الشعب كقانون أسمى للبلاد ، وصولا إلى القوانين التطبيقية المقررة في كل المستويات بشكل جماعي عبر المجالس الممثلة لسلطة الشعب ، تلك القوانين التي تنظم وتهذب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعاقب كل من سولت له نفسه الإخلال بها أو الخروج عن المصالح الجماعية لفائدة مصلحته الخاصة ، وبالتالي فإن القوانين التي يقرها الشعب بشكل حر ونزيه ليست فوق الديمقراطية ولا خارجها ، بل أنها معها وفي خدمتها ، وكذلك الشأن بالنسبة لدولة القانون المبنية والمراقبة من طرف المواطنين والساهرة على خدمة مصالحهم الجماعية وفق مبادئ المساواة في الحظوظ والعدالة الاجتماعية .

 

أما على الصعيد الإيديولوجي ، بالرغم من المكسب العام الذي حققه الإعلان عن حقوق الإنسان والاعتراف بها ، فلقد اشتمل هذا الإعلان نفسه على بند يجعل من الملكية الخاصة مسألة "مقدسة"، فاتحا الباب واسعا أمام نظام الاستغلال والاحتكار ومقننا ومبيحا جوهره الكامن في الحق في الملكية الخاصة. ونعني هنا بطبيعة الحال، ملكية وسائل الإنتاج الأساسية، وليس الملكية المتعلقة بالاستهلاك والاستعمال الشخصي (مثل السكن واللباس ووسيلة النقل...) والتي لا عيب فيها  شريطة أن تتساوى الحظوظ بشأنها وأن تنال بشكل نزيه ويحجم دورها في تلبية الحاجيات الشخصية وليس أن تسخر للاستغلال بشكل من  الأشكال...

 

        أما مفهوم المواطنة، فلقد ظل يعاني من التجرد والخيالية ما دامت الفوارق الطبقية تبعده عن التطبيق الفعلي. كما اتضح بالملموس أن السيادة الفعلية هي للدولة –وليس للشعب- في إطار الديمقراطية البورجوازية ، لأن الدولة هي التي تمارسها عمليا تفويضا ونيابة عن الشعب ، كما أن الفصل فيما يبين الدائرتين الاقتصادية والسياسية ما هو إلا فصل شكلي بحيث تظلان محتكرتان من طرف البورجوازية  وتظل بذلك الديمقراطية شكلية في العديد من جوانبها، ومن ثم لم يتردد المفكرون الثوريون في نعتها بدكتاتورية طبقة على بقية الشعب.

  

        واتضح أن البورجوازية استغلت المد الثوري الشعبي لتصفية النظام الإقطاعي وتثبيت هيمنتها وحكمها ، حكم  الرأسمال والربح عبر الاستغلال ، قبل أن تقوم بثورة مضادة وتعمل جاهدة على تهميش القيم الإنسانية العالية التي قامت من اجلها تلك الثورات، وتحاول إفراغ قيم "الحرية والمساواة والإخوة " من مضمونها الاقتصادي والاجتماعي وتحصرها في نطاق شكلي ليس إلا. هذا مع التأكيد على أن الساحة لم تكن فارغة بل أنها اصطدمت بمعارضة اجتماعية واسعة وتواجهت في صراع طبقي حاد ومتعدد الإشكال ، مع نقيضها الطبقة العاملة والطبقات الشعبية بصفة عامة وفي خضم هذا الصراع الطبقي، ومع تطور الحركة العمالية العالمية، تصلب عود الفكر الاشتراكي، انطلاقا من إرهاصاته الطوباوية المبكرة ووصولا إلى تبلوره ضمن إيديولوجية متكاملة  الجوانب ، فكريا وسياسيا وتنظيميا ، ألا وهي الاشتراكية العلمية كنقيض وبديل للإيديولوجية البورجوازية .

 

        وإذا كان صلب هذه الأخيرة ومحركها الأساسي هو الربح من أجل ومن خلال استغلال الإنسان للإنسان ، فإن الاشتراكية العلمية تسعى لقلب هذه المعادلة رأسا على عقب لتجعل من خدمة الإنسان اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، صلب هدفها، فوضعت بالتالي إخراج شعارات  الحرية والإخوة والمساواة من دائرة الشكليات إلى حيز المضمون الموضوعي والتطبيق الفعلي. ومن ثم الأفكار الأساسية التي تؤسس للديمقراطية الاشتراكية : الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، المساواة الفعلية في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دولة القانون والعدالة الاجتماعية، السيادة للشعب منه  تنبثق السلطة واليه يرجع حق المراقبة الدائمة، التسيير الذاتي والمسؤولية الفردية والجماعية في حقل الإنتاج، التعددية السياسية والثقافية الفعلية، تحرير الإنسان من الأغلال والقيود وتمكينه من المبادرة في كافة المستويات، وتوفير الشروط الموضوعية والذاتية لتلبية حاجياته الشخصية، وتقدمه وازدهاره كشرط لا محيد عنه لتقدم وازدهار المجتمع ككل.

 

 

        أسس نوعية ثابتة .. وتطورات كمية لاحقة.

 

        تعرضنا فيما سبق للأسس النوعية والمبادئ والمفاهيم التي أسست لكل من الديمقراطية البورجوازية  من جهة، وبديلها الديمقراطية الاشتراكية من جهة ثانية، في المستويات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية. والجدير بالذكر أن جوهر هذه الأسس لم يتغير، وأن هذين المفهومين المتناقضين للديمقراطية النابعين من إيديولوجيتين متناقضتين طبقيا، قد ظلا في صراع وتضاد خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وإلى يومنا هذا، سواء من خلال النضال والصراع الدؤوب الذي خاضته وتخوضه الشغيلة داخل الأنظمة الرأسمالية في كافة المستويات وبشتى الوسائل النقابية والجمعوية والسياسية، والذي تمكن عبر تراكماته المتتالية خلال عقود من النضال والتضحيات الجسام من تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح الشغيلة، دون المساس بالجوهر والأسس النوعية للديمقراطية البورجوازية .. أو من خلال الثورات الاشتراكية التي أطاحت بسلطة البورجوازية وشرعت في بناء الاشتراكية وتحقيق نماذج من سلطة الشعب والطبقة العاملة والديمقراطية الاشتراكية، رغم ما عرفته هذه الثورات من انتكاس وتراجع وانحراف في أواخر القرن العشرين، بعد عقود من التقدم والمكاسب الإيجابية ...

 

        وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد ثورة صناعية هائلة غيرت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية رأسا على عقب، فان عصرنا الراهن يشهد بدوره ثورة علمية وتقنية لا تقل أهمية، لازالت تأثيراتها ونتائجها لم تكتمل بعد، رغم ما نشاهده ونلمسه من تغييرات مضطردة سريعة في تقنيات وتكنولوجيات وسائل الإنتاج، وتحولات مكثفة على مستوى طرق تنظيمه ، وعلى  العلاقات والنسيج الاجتماعي بصفة عامة ...

 

        وقصدنا هنا أن نؤكد مرة أخرى، على جدلية ودينامية المفاهيم والمبادئ المرتبطة بالدينامية العامة لتاريخ الإنسانية. ومن هذا المنطلق نؤكد أيضا على الترابط والتواصل فيما بين القيم الإنسانية الحضارية التي تصل مستوى التجرد عن الخصوصيات المحلية لترتقي إلى مستوى القيم الإنسانية الكونية وتغذي الثرات الإنساني الايجابي وتتجاوز نواقصه نحو ما هو أفضل وأسمى. فقيم المشاعية البدائية وما تضمنه من مساواة وأخوة ، شكل بدون ريب إلهاما للفلسفة اليونانية وحضارة "الديموس قراتوس " ، كما أن هذه الأخيرة شكلت في العديد من جوانبها قاعدة انطلاق للنبوغ والتقدم العالمي الذي حققته الحضارة العربية – الإسلامية  في كافة المجالات العلمية والإنتاجية والثقافية، وعلى أساس هذه المكاسب انبنت الحضارة الأوربية وما عرفته من تطورات، ومن ضمنها نشأت  وتطورت الحركة العمالية وما أفرزته من قيم اشتراكية عالية...

 

        وبدون  الإطالة في موضوع الترابط والتواصل الجدلي في القيم الإنسانية الكونية، وطابعها الدينامي  المستمر، يهمنا أن نفند الطرح والجدل التبسيطي الرخيص الذي يلجأ باستمرار في معاكسته لحركة التقدم، إلى مقولة "الأفكار المستوردة" كلما تعلق الأمر بالمسألة الديمقراطية وقيمها الأصيلة العالمية. (هذا بالرغم من أن أصحاب هذه المقولة هم السباقين إلى تكريس التبعية واستيراد الأفكار والقيم الرأسمالية الساقطة...) فالديمقراطية البورجوازية مثلا، وبالرغم من نشأتها وتبلورها في أوروبا، شكلت قفزة نوعية تاريخية غاية في الإيجابية،  قياسا بأنظمة الإقطاع والعبودية، وارتقت مبادئها – على علتها – إلى مستوى القيم الإنسانية الكونية . أما الديمقراطية الاشتراكية  فإنها لم تسقط من السماء كما أسلفنا، بل هي الحلقة الأكثر تقدما في الفكر الإنساني الكوني ، إذ هي  التي تعرضت للديمقراطية البورجوازية لتجريدها من تناقضاتها وتجاوزها بطرح البديل المستقبلي لها ، فشكلت ولا تزال تشكل – رغما من المتنكرين والمرتدين – الاجتهاد النظر الإنساني الأكثر تقدما نسقا وعلمية،  اتجاه الإجابة على حاجيات الإنسان في العيش الكريم ، والحرية الخلاقة ، والمساواة الموضوعية ، والأخوة الأصيلة والسلام والتقدم والازدهار.

 

وهذه الملاحظة ( الترابط الجدلي بين المفاهيم) ليست مجانية بل إنها تأخذ المكانة اللائقة بها في برامج الثوريين خاصة في البلدان الأوتوقراطية التابعة- عندما  يتعلق الأمر بصياغة تكتيك واقعي  يحقق الترابط والتواصل المتين ين البرنامج المرحلي والأهداف الاستراتيجية  المتوسطة والبعيدة المدى ( ولنا عودة للموضوع لاحقا) .

 

        وخلاصة القول ، وإذا كانت الديمقراطية الاشتراكية تشكل أرقى شكل في تنظيم الحياة الاجتماعية ، فإنها ليست بكل تأكيد عبارة عن مفاهيم وشعارات وجمل ثورية جامدة وجاهزة ، وذلك بحكم التطور التاريخي الدائم وبخاصة التطورات السريعة التي يشهدها عصرنا الحالي، وبالتالي فإن الثوريين مطالبون باستمرار بالبحث والاجتهاد للاستفادة من تجارب الشعوب بما لها وما عليها، والعمل على تطوير المفاهيم وإغنائها، خاصة تلك التي لم تعرف طريقها إلى التطبيق الواسع والناجح، مثل التسيير الذاتي الفعلي بعيدا عن البيروقراطية، وصيغ المشاركة والمساهمة الفعلية للمواطن في اتخاذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ومراقبة تطبيقها، والتعددية السياسية والثقافية  في ظل  الاشتراكية وحرية  ممارسة المعتقد الديني والروحي بدون تدخل ولا تعسف سياسي من طرف الدولة  أو غيرها ...الخ  هذا مع التشبث بالجوهر والمبادئ الأساسية للاشتراكية العلمية كأداة للبحث والتحليل والتوجيه ، وعلم قابل للاجتهاد والتطوير ، وكهدف أسمى في آن معا .

 

I I I-  أزمة الديمقراطية في المغرب

 

بعد أن استعرضنا بعجالة المحددات التاريخية والنظرية والأسس الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية التي انبنت عليها مفاهيم الديمقراطية في بلادنا، لتبيان مصدرها وجذورها والإحاطة بالأسئلة الحرجة لتي تتبادر مباشرة إلى الذهن: هل توجد فعلا ديمقراطية في بلادنا؟  بصفة فعلية أم صورية فقط ؟ وهل تتوفر أسسها وشروطها الدنيا ؟ وما العمل في المدى القريب والمتوسط لكسبها والنضال منأ أجلها في إطار الخط النضالي الديمقراطي الاشتراكي؟

من المؤكد أننا لسنا المبادرين إلى طرح هذه الأسئلة والإجابة عليها. فالطبقة الحاكمة وحلفاؤها وأتباعها، حكموا وخمموا في الموضوع منذ عقود. فأقروا أن المغرب بلد الليبرالية والديمقراطية بلا جدال، وان ديمقراطية المغرب الجديد بلغت درجة من التطور والتقدم لا مثيل لها في العديد من بلدان العالم... وهذه الأطروحة يقام لها ضجيج إعلامي داخلي وخارجي واسع النطاق، ويرددها حتى بعض المراقبين الغربيين والعرب، كلما قاموا بزيارة المغرب أو تناولوا الوضع فيه، فيشهدون له مبهورين بالتعددية وكثرة الأحزاب والمنظمات، وزحمة الصحف والجرائد والمجلات، وبوجود برلمان ومؤسسات تمثيلية... فهل تكفي مجمل هذه الظواهر للقول والجزم بوجود الديمقراطية ومقوماتها الضرورية ؟ وهل تمكن حكامنا فعلا من استيراد واستنساخ الديمقراطية البورجوازية الغربية على علتها ؟

 

        عودة للأسس...

 

        للإجابة على هذه الأسئلة ، نضع جانبا مسبقا  المظاهر والشكليات التي تغري وتهوي البعض (بشكل مجرد أو انتفاعي ؟) لنناقش الأسس التي تعرضنا لها فيما سبق، والتي يحسم وجودها بشكل قاطع في وجود الديمقراطية، إذ بغياب تلك الأسس تغيب الديمقراطية في جوهرها وفي حدها الأدنى بشكل لاجدال فيه ولا يبقى منها سوى الشكلي والهوامش .

 

        فعلى الصعيد الإيديولوجي، أوضحنا أن الديمقراطية في حدودها الدنيا دائما، تتأسس على قاعدة احترام حقوق الإنسان، في حين أن تلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعيش في بلادنا مفارقة صاروخية ما بين الالتزام الرسمي من جهة والواقع المعاش. وإذ يرجع الفضل للجمعيات والمنظمات الحقوقية في التعريف ونشر التوعية بشأنها والدفاع عنها يوميا فان الدولة والطبقة الحاكمة لا تعمل سوى على إضعافها وخرقها  والإبقاء عليها في محنة دائمة مزمنة وحتى لا يكون كلامنا معلقا في الهواء من جهة ، وبدون إسهاب في الأرقام والإحصائيات من جهة ثانية ، نذكر بأن 45 % من المواطنين يعيشون في حالة فقر مدقع ، وان البطالة تمس عمليا نصف اليد العاملة ، إضافة  إلى ظاهرة البطالة وسط حاملي الشواهد العليا كظاهرة شاذة غنية بالمعاني والدلالات ، وان الأمية تفوق  80 % في البادية و 45 % في المدن وان نسبة التمدرس لا تتعدى 50 % وان أربعة ملايين تعيش في مدن الصفيح إضافة لأزمة الكراء الخانقة ، وأن أزمة الصحة ضاربة أطنابها ... فأي احترام للحقوق الاقتصادية والاجتماعية هذا ؟ في حين أن الأقلية السائدة التي تستحوذ على الموارد الأساسية للبلاد تزيد بذخا وثراء ، وان الهوة السحيقة بين الأغنياء الذين يزدادون غنى والفقراء فقرا تستمر في التوسع والتعمق بشكل مضطرد منذ الاستقلال الشكلي ...

        أما بالنسبة للحقوق السياسية والحريات الفردية والجماعية ، فلن نطيل فيما تنشره صحفنا الوطنية من خروقات وتعسفات  ومصادرات يومية لحق الإضراب والتعبير والتنظيم ، ومضايقات ومتابعات ومحاكمات وتعذيب واعتقالات تعسفية  في حق المعارضين بسبب أفكارهم وقناعاتهم وممارساتهم الديمقراطية ، ويكفينا التذكير بأن مئات  المعتقلين السياسيين لازالوا قابعين في السجون بسب آرائهم ونشاطهم السياسي أو النقابي، وان عشرات المختطفين لازال مصيرهم مجهولا، وعشرات الديمقراطيين اضطروا للمنفى والاغتراب عن وطنهم، وان عددا من المظاهرات الشعبية أغرقت بقوى الحديد والنار في أنهار من الدماء والدموع وخلقت آلاف الضحايا..

 

أما على الصعيد السياسي، فلن نطيل أيضا في الطبيعة الشكلية المغشوشة للمؤسسات القائمة ، وغياب حقوق المواطنة الكاملة والسيادة  الشعبية ، كما تنص أسس الديمقراطية ، وفي طبيعة الدستور الممنوح والقوانين الاستعمارية العتيقة، التي تقص وتضرب الحريات السياسية إضافة إلى قوانين 1973 التي ألحقت ضربات قاسمة بالحقوق والحريات التي تم فرضها بالكفاح الوطني غداة الاستقلال ... وأخيرا طبيعة الدولة المخزنية التي تسود مكان دولة الحق والقانون...

 

        أما التمثيلية والانتخابات فمن المعروف لدى الرأي العام الداخلي والخارجي أنها تخضع باستمرار للغش والتلاعب والتزوير وأن البرلمان مجرد غرفة لتسجيل قرارات الحكومة ، وان لا جود يذكر له في اتخاذ القرارات التي تهم سير البلاد ومصالحها الكبرى بدءا بالقضية الوطنية والقضايا التي تمس هوية الوطن وانتماءه ، ووصولا للقضايا المتصلة بالحياة الاجتماعية اليومية مثل الصحة والشغل والتعليم أو شكل وصيغة امتحان الباكالوريا مثلا ...

 

        وبالنسبة لمبدأ فصل السلطات كمبدأ ديمقراطي لا محيد عنه، فلا وجود له ... بكل بساطة.

        وعلى الصعيد الاقتصادي ، وخلافا لمبادئ التنافس الحر وحرية المبادرة الاقتصادية  على قدم المساواة ، نجد الرشوة والمحسوبية والاحتكار والتدخل التعسفي للدولة لتفويت المصالح الأساسية للطبقة السائدة ، ونجد التبعية المطلقة للسوق الخارجية وللتعليمات الأجنبية خارج إرادة المواطنين وخارج مبادئ السيادة الوطنية والشعبية...

 

        وخوفا من تكرار البديهيات ، نخلص بسرعة إلى أن الديمقراطية في بلادنا عبارة عن واجهة شكلية وإنها لازالت تفتقر لأسس الحد الأدنى ، ومرد ذلك يكمن أساسا في طبيعة البنيات السائدة والطبيعة الهيمنية للطبقة الإقطاعية الرأسمالية المرتبطة عضويا بالسوق الأجنبية، والتي لا تتصرف كبورجوازية حقيقية تعمل على خدمة مصلحتها الذاتية عبر خدمة المصلحة الوطنية وتوسيع السوق الداخلية وتسعى إلى  نشر وتعميم مبادئ الديمقراطية الليبرالية  في كافة المستويات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل أن الطبقة السائدة في بلادنا بعيدة كل البعد عن كل هذا ، وان الذي يهمها هو الحفاظ على امتيازاتها وبذخها غير المنتج الذي تستمده من دورها كوسيط وسمسار للرأسمال العالمي...وبالتالي فإنها تعادي الديمقراطية في العمق ولا بهمها منها سوى الشكليات ( برلمان مزور ، تعددية مفرطة ومتحكم فيها ، حقوق وقوانين معلنة إلى جانب تأطير بوليسي ومراقبة وقمع  منهجي في جميع مرافق الحياة ...) تلك الشكليات التي تستعمل كيافطة تعرض على الرأي العام الأجنبي للتغطية عن حقيقة الواقع الاستبدادي واللاديمقراطي.  أما على المستوي الداخلي فلم تعد اللعبة تنطلي على احد إلا لمن له فيها مصلحة وانتفاع.

 

 

ما العمل ؟...

 

 

        قبل التعرض لهذا السؤال، ورفعا لأي التباس، نؤكد التزام حزبنا، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بمبادئ الديمقراطية الاشتراكية انسجاما مع اختياره الإيديولوجي، اختيار الاشتراكية العلمية، باعتبارها أرقى شكل من أشكال الديمقراطية حسب ما توصل إليه الاجتهاد والفكر الإنساني. هذا مع التأكيد على ضرورة الاستفادة – القصوى نظريا وعمليا من دروس مسيرة  الشعوب- خاصة بعد انهيار النمط البيروقراطي في البناء الاشتراكي – وإغناء وتطوير مفاهيم الاشتراكية العلمية باعتبارها نظرية جدلية حية وعلم في تكوين مستمر، من جهة، ومن جهة ثانية " التأكيد على تشبثنا الشديد  بتراث شعبنا وقيمه التقدمية ، وتراث حضارتنا العربية – الإسلامية  وما تزخر به من قيم نضالية تقدمية ، لأن طموحنا في نهاية المطاف  يبقى هو ابتداع الأساليب الخلاقة الكفيلة بتطبيق المفاهيم الاشتراكية  الكونية العامة بمحتوى ومضمون وروح مغربية أصيلة، بدءا من الاستفادة من إيجابية "الجماعة" والديمقراطية المباشرة، وصولا إلى تطبيق التسيير الذاتي والأساليب والأشكال الاشتراكية الأكثر تقدما وانسجاما مع روح العصر، مرورا برد الاعتبار وترسيخ وتطوير قيمنا الشعبية الإيجابية مثل تقاليد التضامن والتآخي ، وحفظ الكرامة  واحترام الكلمة والوعد، والنزاهة والوفاء في جميع المجالات الاقتصادية  والاجتماعية والسياسية .. وبهذا التوجه الذي يعطي لكل مفهوم كوني مضمونه المحلي الواقعي الملموس، نسعى إلى إدماج مجمل هذه المفاهيم والقيم ضمن مشروعنا المجتمعي ، مشروع المغرب الحر الديمقراطي الاشتراكي .

                وإذا كانت هذه طموحاتنا  وأهدافنا الإستراتيجية ، فما العمل آنيا أمام الواقع اللاديمقراطي للبنيات القائمة وطبيعة الطبقة السائدة التي ذكرنا ؟ هذا ما أجاب عنه حزب الطليعة، عندما حقق الترابط المتين بين استراتيجيته من جهة وبرنامجه المرحلي من جهة ثانية، عبر خطه النضالي الديمقراطي. فالأمر  لا يتعلق هنا ب "استراتيجية  المراحل " كمراحل منفصلة منعزلة ، بل بحلقات متصلة ضمن مسلسل نضالي  ثوري واحد، حلقات تحدد لنا  بوضوح، حسب التحليل الملموس للواقع  ولموازين القوى  الظرفي، ما هو قابل  للتطبيق في المدى القريب ، وما يرجع للمدى المتوسط والبعيد. فالانخراط الآن بكل حزم وعزم في النضال الديمقراطي اليومي مع الجماهير ومن اجل مصلحتها، هو خدمة مباشرة للمستقبل وتعبيد الطريق التي تؤدي بالمسلسل الثوري الشعبي إلى تغيير موازين القوى تلك وفرض قيام أسس الديمقراطية وفتح باب تطويرها والرفع بها نحو أكمل وأسمى صورها .

 

        إن الوضع السائد في بلادنا اليوم وضع لاديموقراطي بكل تأكيد، وهو بعيد كل البعد عن الليبرالية  بالرغم من الادعاءات الرسمية الواهية ، لأن الليبرالية تعتبر شكلا متقدما من الديموقاطية البورجوازية  ، بينما تنعدم حتى هذه الأخيرة في بلادنا باعتبار غياب أسسها الايديوليوجية والاقتصادية والسياسية كما ذكرنا سابقا .

 

        وأمام هذا الواقع – الذي لا نصفه من اجل وصفه والتأسف على حالته، بل من اجل العمل على تغييره – فلايمكن للمناضل الديمقراطي ان يبقى مكتوف الأيدي إلى أن تتحقق كل الشروط والظروف – إن هي تحققت بقدرة قادر ! ... لبناء وترجمة قناعاته الإيديولوجية الكاملة، بل إن الانسجام مع تلك القناعات يفرض عليه الانخراط بكل قوة في النضال الديمقراطي بمختلف أشكاله وواجهاته في إطار المعركة التي تتواجه فيها يوميا الطبقة السائدة مع جماهير شعبنا في كل المستويات .

        وهذا النضال الديمقراطي كما نفهمه يتطلب التواجد والعطاء والنضال في الصفوف الأمامية في واجهات متداخلة  يكمل بعضها البعض الآخر :

 

* واجهة النضال النقابي للدفاع عن القوت اليومي للجماهير ومصالحها المادية والمعنوية والصمود أمام الاستغلال والابتزاز والحد من آثارهما.

 

* واجهة النضال الاجتماعي عامة وعلى رأسها الدفاع عن حقوق الإنسان من اجل احترامها وتطبيقها الفعلي، إلى جانب النضال الجمعوي في المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية ...

 

* واجهة النضال السياسي من اجل فرض حقوق المواطنة وسيادة الشعب وفصل السلط ، وإقامة مؤسسات تمثيلية فعلية ...

       

إن النضال اليومي في هذه الواجهات المترابطة والمتفاعلة فيما بينها هو ما يستحق أن يصطلح عليه بالنضال الديمقراطي، وليس التحريك الانتخابي الموسمي في إطار المساومة والعمالة الطبقية  و"التراضي" في توزيع الغنائم والحصص على حساب مصلحة الجماهير وعلى حساب الديمقراطية نفسها .

        وبعبارة أخرى فإننا نقبل التحدي الذي تطرحه الطبقة السائدة، ونرد على تكتيكها وادعاءاتها الفاضحة في الديمقراطية والليبرالية، بتكتيك مضاد نعلنه أمام الملأ وفي واضحة النهار لندخل معركة التحدي هذه على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية  والسياسية والفكرية، مؤكدين رفضنا لتزوير إرادة الشعب جملة وتفصيلا.

 

وهذا ليس معناه أننا نسعى إلى استنساخ التجارب،  إن هدفنا يقف عند تحقيق الديمقراطية  البورجوازية كمرحلة منفصلة قائمة الذات ...والحالة أن حزبنا هو الذي نبذ وينبذ القوالب الجاهزة منذ تأسيسه، وقد يجوز أن يؤاخذ عليه البعض نوع من التجريبية في مراحل معينة من مسيرته، ولكنه لم يسقط يوما في الجمود العقائدي أو التطبيق الحرفي للأنماط والنماذج والقوالب ، وبالتالي فإن الاستراتيجية  التي بلورها حزب الطليعة استفادت من مسيرته الطويلة الغنية بالدروس ، وأجابت على متطلبات النضال الحالية والمستقبلية، وهذا ما أجمله ولخصه شعاره المركزي : تحرير – ديمقراطية – اشتراكية، والذي تم شرحه وتفسير جدليته وديناميته في اكثر من مناسبة .

 

إن واقعنا الراهن هو واقع تبعي شبه استعماري، ترابيا واقتصاديا، بالنسبة لعلاقاته الخارجية، وواقع شبه إقطاعي لا ديمقراطي في علاقاته الداخلية، وبالتالي فلا مناص للثوريين والديمقراطيين من النضال من اجل تغييره في اتجاه أنها مخلفات الاستعمار والقضاء على التبعية وإرساء أسس الديمقراطية علما بأن النضال الوطني لم يؤد إلى نتيجة، كما أثبتت التجارب، إلا في ارتباطه العضوي بالنضال الديمقراطي .

 

        وبالنسبة لمسألة الديمقراطية تحديدا ، وإن كان الواقع الملموس الراهن يفرض تحديد البرنامج المرحلي بشكل ادنى، فإن محصلات ومكتسبات النضال الوطني - الديمقراطي  هي التي ستفسح الطريق أمام  مواصلة  المسيرة لنقل الديمقراطية من مستواها الأدنى إلى مستوى الديمقراطية الراقية  نظريا وتطبيقيا والمتأصلة شعبيا وتاريخيا، وذلك بعد أن يسترجع الشعب سيادته ويمسك زمام أموره بيده. وبالتالي فإن الكفاح من أجل قضايا التحرير والديمقراطية والاشتراكية كفاح واحد، ومسلسل ثوري واحد تتواصل فيه الحلقات بين ما هو ظرفي آني بحلقات  المدى المتوسط والبعيد. وهذا الذي يعطي للتكتيك والبرنامج المرحلي الواقعي ارتباطهما العضوي بالاستراتيجية ، ويمنعهما عن الانحراف أو التوقف عند أبواب مرحلة معينة، ويجعل الاستراتيجية تترجم ظرفيا وعمليا في شكل مهام نضالية يومية واقعية، ويوفر التكامل بين الإيديولوجية والاستراتيجية والتكتيك، انطلاقا من التحليل الملموس للواقع الملموس .

 

        وختاما ، فان حزب الطليعة لا يدعي امتلاك  الحقيقة واحتكارها كما أعلن رسميا – ذلك أن مختلف اختياراته  الأساسية وبرامجه العملية لا معنى لها ولا فائدة ترجى منها إلا في تواجدها وتأصلها وسط  الشغيلة وكافة الجماهير الشعبية، خدمة لها  وتعلما منها، كما  أن أفكاره الأساسية وقناعاته ومواقفه لن تكتسب قوتها المادية وأهميتها إلا عندما تصبح قناعات مشتركة وسط أغلبية جماهيرنا، وتكتسب ثقة هذه الأخيرة  والتزامها، الشئ الذي أضحى يتحقق عمليا وتدريجيا، وسيزيد توسعا وترسيخا بالمثابرة الدائمة في الإقناع والتوعية والنضال اليومي في الصفوف الطليعية للجماهير، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، مع ما يقتضي ذلك من تضحيات جسام ...

 

        وإذا كان حزب الطليعة يحتل اليوم المكانة والموقع الذي يحتله لدى شعبنا الكادح، ويتمتع بوضوح ونقاوة الخط والممارسة، فإن الفضل كل الفضل يرجع إلى صموده في وجه الاستبداد أزيد من ثلاثة عقود، وإلى تضحيات مناضليه وشهدائه الأبرار، شهداء التحرير والديمقراطية ، وإذا كانت المسيرة التي تنتظره طويلة وشاقة ، فإنها حتما مسيرة مظفرة...

 

 

 

عبد الغني بوستة السرايري                                                                 

صحيفة الطريق أكتوبر/نوفمبر 1992